رحلة إلى أوروبا – جرجي زيدان

في أوائل القرن العشرين، زار جرجي زيدان أوروبا و قضى صيفه فيها متنقلا بين فرنسا و انجلترا و سويسرا. جمع زيدان خلاصة ملاحظاته في كتاب “رحلة إلى أوروبا” الذي أصدر سنة 1912، قبل وفاته بسنتين.

لا يمكن اعتبار الكتاب دليلا سياحيا لمن أراد زيارة أوروبا اليوم. لكنه بكل تأكيد دليل تاريخي على نظرة النخبة العرب في تلك الحقبة إلى أوروبا. و شاهد على التطور الذي عرفه العالم شرقا و غربا منذ ذلك التاريخ، في مجالات عدة.

يصف لنا الكاتب ما استرعى انتباهه أثناء زيارته. و يحصر سرده في ما يعود بالنفع على القارئ الشرقي لتحقيق نهضته، دون التوقف عند التفاصيل الشخصية لرحلته. ضمّن زيدان الكتاب العديد من الجداول و الإحصائيات الخاصة بالإقتصاد و التعليم و غيرها من المجالات في فرنسا و انجلترا.

“ونقتصر من ذلك على ما يهم القارئ الشرقي من حيث حاجته إلى تحدي مدنية أولئك القوم في نهضته هذه، ونبين ما يحسن أو يقبح من عوامل تلك المدنية بالنظر إلى طبائعنا وعاداتنا وأخلاقنا”

يبدأ جورجي زيدان بوصف النظام السياسي و نظام الحكم في فرنسا و انجلترا. فيذكر بين ما يذكره وزارة المستعمرات. و لا يورد في ذكرها أي انتقاد أو رفض للنهج الإستعماري للبلدين. بل إنه في موقع آخر من الكتاب، يُبرِز دور فرنسا في إدخالها المدنية إلى الشرق على يد بونابرت أثناء حملته التي وصفها بالعلمية.

” لكنه لم يأته بالعدة والسلاح فقط بل نقل إليه بذور التمدن وأصول المعارف. فأرفق حملته الحربية بحملة علمية جمعت نخبة علماء فرنسا في ذلك الحين.”

كما أفرد صفحة كاملة يصف فيها طريقة الإنجليز و خلقهم في الإستعمار، تكاد تصل إلى الإعجاب. كون قلة من الإنجليز تمكنت من التحكم في الملايين من الناس عبر المستعمرات.

“إن الأخلاق التي ذكرنا أمثلة منها جعلت أربعين مليون إنكليزي يحكمون نحو 350 مليون نفس من أمم شتى في القارات الخمس. إن الإنكليز استطاعوا ذلك بأخلاقهم المتينة وأساسها الثبات والتعويل على الحقيقة”

لا يخفي الكاتب إعجابه بالثقافة الفرنسية. و يسهب في وصف النظام التعليمي بها. و يمضي في المقارنة
بينه و بين التعليم في مصر، حيث يجد هذا الأخير “ضعيفا جدا”. و يعزي ذلك إلى عدم تخصيص إمكانيات كافية له. و يسرد بالأرقام الفرق بين النظامين. حيث كانت الحكومة الفرنسية تخصص حينها 11 مليون جنيه للتعليم، بينما نظيرتها المصرية تكتفي بنصف مليون جنيه. نافيا أن يكون السبب في ذلك ضعف الموارد في مصر. فهذه الأخيرة كانت تنفق خمس دخلها فقط على الدين الخارجي بينما ثلث دخل فرنسا في نفس الفترة كان يصرف على الدين.
و رغم التقدم العمراني لفرنسا، فإن زيدان يرى أن عاصمتها باريس لا تختلف كثيرا عن القاهرة. فالقادم إليها من القاهرة لا يجد ما يدهشه فيها من العمران.

“فرنسا قدوة الممالك المتمدنة ”
“حضارة مصر الحديثة صورة مصغرة من حضارة باريس”

من ملاحظاته عن مكانة المرأة في مجتمع بداية القرن العشرين في أوروبا، لا يمكن اعتبار جرجي زيدان أحد أنصار النسوية و حقوقها. فرغم تأكيده على أن لا سبيل إلى الإصلاح إلا بتعليم المرأة و تثقيفها. إلا أنه تأسف على خروج المرأة الأوروبية للعمل. و عدّد مساوئه. فحرية المرأة و سذاجتها حسب رأيه هي التي قادتها إلى الإتجار بجسدها في شوارع باريس. فرمت بنفسها إلى التهلكة. و الحرية ذاتها دفعت نساء انجلترا “المهووسات” للمطالبة بحق التصويت و الإقتراع. بينما يجدر بهن التعقل و الإهتمام بأسرهن و أطفالهن و أزواجهن.

«إن المرأة الإنكليزية خلقت لتهتم بشؤون بيتها وعائلتها فإذا تحولت عن ذلك إلى أعمال الرجال خرجت عن طبيعتها»

و عن الحريات في المجتمع للكاتب رأي غريب. فهو يميز في وصفه بين العامة و الخاصة. أي بتعبير آخر بين عامة القوم و عليتهم من العائلات الارستقراطية، ممن يختصون بأمور الحكم و الثروة. و عموم الشعب من الطبقات الدنيا الذين يراهم غير أهل للحرية.

“فالحرية التي نالها العامي الفرنساوي صانت حقوقه من جهة لكنها أضرت به وبالأمة من جهة أخرى. لأن العامي مهما بلغ من ارتقائه لا يبرح قصري الإدراك، وإنما يتدرب على الاجتماع والصياح مع الصائحين فينحاز إلى هذا الحزب أو ذاك لا عن تفطن وإدراك وإنما هو يساق بعواطفه ويندفع بما يخطر له حسب المؤثرات الخارجية”

استمر الكاتب في وصف المجتمعين الفرنسي و الإنجليزي. فعدّد الصفات و الأخلاق التي يتميز بها الفرد فيهما. ف”الفرنساوي عامل نشيط” و الإنجليزي “هادئ الخلق، يندر أن تتغلب عليه الحدة حتى تخرجه عن طور إرادته”. و أثنى الكاتب على النظام المتبع في كل مناحي الحياة. و أدهشه ألا يتنازع الركاب في المسابقة إلى ركوب الوسائل العامة بل يقفون في ترتيب كل في انتظار دوره. كما استرعاه خلو الشوارع من المتسولين و الباعة من الأطفال لانشغالهم بالمدارس. و من الأخلاق الشائعة حسب جرجي زيدان في باريس اشتغال كل بنفسه عن سواه، فقل التجسس الأخبار و الدخول في أحوال الآخرين.

لم يتجاوز الحيز المخصص لسويسرا في الكتاب صفحتين. كانت أبرز فقراته تتعلق بالكاتب الفرنسي فولتير. و في ذكره السريع الموجز للمدن السويسرية التي زارها أورد الكاتب خطأ مدينة ايفيان الفرنسية، عن جهل أو ربما عن سهو.

رحلة إلى أوروبا - جرجي زيدان - كتاب الدوحة - وزارة الثقافة و الفنون و التراث
غلاف الكتاب

عن الكاتب: جرجي زيدان

صحافي و كاتب لبناني. مؤسس دار الهلال و مجلة الهلال في القاهرة. له العديد من الكتابات في مجال التاريخ خاصة القصة  و الرواية التاريخية. يعتبره العديد من الدارسين علامة فارقة في الأدب العربي الحديث.
تأثرت كتابات  زيدان بمناهج المستشرقين. تعرضت إلى العديد من الإنتقادات، التي تعددت بين سطحية طروحه الروائية، و عدم تحريه الدقة في الأحداث التاريخية. بل و تحامله على التاريخ العربي و شخصياته في نظر بعض منتقديه.
من مؤلفاته: تاريخ التمدن الاسلامي (خمسة أجزاء) – تاريخ العرب قبل الاسلام – مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر (جزءان) – و مجموعة من ثماني عشرة رواية تاريخية.

عن الكتاب:

أصدر الكتاب عن دار الهلال سنة 1912. أعادت طبعه و توزيعه مجلة الدوحة في عدد مجاني (العدد 89 مارس 2015).
الكتاب متوفر في نسخة إلكترونية مجانية و لا تنتهك حقوق الملكية . يمكن تحميل الكتاب من موقع مؤسسة هنداوي.

*الصور المدرجة في هذا المقال من ويكيبيديا.

اترك تعليقك